ترتبط هذه القصة التعيسة التي انقلها اليكم حول مأساة الطفلة العربية إيناس ، ترتبط ارتباطاً مباشراً بمشاكل الهجرة العربية في فرنسا، وظروف الفتيات العربيات اللاتي نشأن في أجواء أوروبية، رغم انتمائهن إلي ثقافة وعادات وتقاليد عربية، كما ظلت تعيشها بقية الأسرة العربية المهاجرة، حيث نحتاج هنا لفهم الكارثة التي انزلقت إليها هذه الطفلة البريئة، المكسورة الجناح، والتي لم تتجاوز عامها الرابع بعد وكيف وجدت نفسها تحت وطأة فجور رجل ظالم، جبار، سحق طفولتها، وبراءتها، وكرامتها، وسحق عظامها، وألقي بها إلي حافة الموت بعد اغتصابها مراراً، ومراراً، وهو يسجل علي شريط الفيديو تفاصيل أعماله الإجرامية... نحتاج في حقيقة الأمر لمعاودة تفاصيل قصة الأم بالذات.. الفتاة العربية البائسة نادية . والتي شقت عصا الطاعة علي أهلها في باريس في محاولة للبحث عن فرصة للعمل، والحياة وربما الحب، غير أن الأحلام الوردية التي جرها إليها أحد الرجال الفرنسيين، لم تقودها لغير مأساة جديدة في حياتها المعذبة، حيث وجدت نفسها وحيدة في انتظار طفل لا أب له!!
وقد عانت نادية في بداية الأمر مصاعب الحياة قبل ولادة إيناس ثم بعد ولادتها، حيث اشتد الأمر علي رأسها المسحوق بألف خديعة، وجرح، ويأس!
فنادية بدون عمل، وبدون سند، وبدون عائلة، وحيدة ومشردة وحزينة. وهي مع ذلك بحاجة لأن تربي طفلتها الجميلة والوديعة التي أعطت لها اسم إيناس ، وهو الأمر الذي دعاها إلي اللجوء إلي الرعاية الاجتماعية وطلب المساعدة من قسم المعونات للأمهات اللاتي يربين أطفالهن دون دعم مساند.
وفي الوقت الذي لا تتردد فيه مكاتب الخدمة الاجتماعية لتقديم العون للأمهات اللاتي تضعهن الظروف في نفس الموقف الذي يعصف بنادية، إلا أن الشروط التي تفرضها القوانين الفرنسية بهذا الشأن تبدو في منتهي الصعوبة، والقسوة، بل الوحشية في كثير من الأحيان.
فما أن تعرف الجهات المعنية بظروف إحدي الأمهات البائسات حتي تأخذ في مطاردة هذه الأم، وتطالبها بأن تكون في مستوي الأمومة، وإلا فإن الدولة مضطرة لأخذ الطفل منها! والاهتمام بشأنه مباشرة.
وهو الأمر الذي وجدت نادية نفسها مهددة به، فالأخصائيات الاجتماعيات اللاتي أخذن الاهتمام بأمرها، صرن يطالبنها بضرورة الحصول علي عمل، وسكن، وأن تجد حلاً سريعاً لهذه الحياة اللامستقرة التي وضعت الطفلة في أعاصيرها، فإن الانتقال من فندق إلي فندق، أو الانتظار من وجبة إلي وجبة، وربما النوم دون عشاء، أو مرور أيام دون إطعام الطفلة، بالإضافة إلي تعرضها للوحدة والوحشة، وقسوة الحياة مع أم مكتئبة، وتعيسة وعصبية.. كل ذلك لا يساهم في توفير الأجواء الضرورية لتربية ونشأة طفلة صغيرة وديعة، وحالمة.
وقد حاولت نادية بالفعل، خاصة بفضل المساعدات الاجتماعية التي صارت تحصل عليها أن توفر لابنتها شروط الحياة التي يفرضها القانون الفرنسي علي الأهل من أجل السماح لهم بالاحتفاظ بأبنائهم، لكن قسوة الحياة، وارتفاع نسبة البطالة، وانتماء نادية إلي شريحة اجتماعية لا يعطيها المجتمع الفرنسي فرص ضخمة للانتماء، وأقصد من ذلك حدة المشاعر العنصرية التي تقطع الطريق أمام العمال القادمين من بلدان عربية للحصول علي فرص العمل في حالة وجود منافس فرنسي مناسب لنفس الوظيفة، كل ذلك، بالإضافة إلي كونها محطمة نفسياً، ومريضة جسدياً ساهم في استحالة حصول الشابة العربية علي أي عمل ممكن قد يجلب عليها بعض الدخل الذي يسمح لها بالاحتفاظ بطفلتها.
لذلك فإن الطفلة إيناس سرعان ما وجدت طريقها إلي مركز الرعاية الذي يفتح أبوابه لليتامي وأطفال الطبقات المسحوقة، ممن يعجز الأهل علي الاعتناء بهم، غير أن مرور الأطفال بهذه المراكز في فرنسا، لا يمثل إلا فترة زمنية محددة، والتي فيما يفترض أنها تشكل بعض من شهور الانتظار لحل ما، فبالنسبة لليتامي إمكانية أن يتبناهم بعض الآباء، أو أن يطالب بهم بعض الأهل، أما بالنسبة لأبناء العائلات الفقيرة، فإن فترة المرور بهذه المراكز تمثل مجرد فترة انتظار لإمكانية تحسن أحوال العائلة المادية، أو الاجتماعية وأحياناً الصحية بالقياس إلي مرض الوالدين أو تعرضهم في بعض الحالات لحوادث السير، أو الأمراض الوبائية.
إلا أن انتظار الطفلة إيناس لم يطل كثيراً، فإن الأخصائية الاجتماعية التي كان يجب أن تتابع ملفها، قررت علي الفور، وأثر تأكدها من عدم تمكن نادية من تحسين أوضاعها المادية، أو الاجتماعية، نتيجة لحالة الانهيار العصبي الذي تعاني منه، وعدم تمكنها من إقناع أي جهة لقبولها للعمل عندها، أن تحيل الطفلة إلي حضانة عائلة فرنسية متطوعة لقبول أحد أطفال دار الرعاية.
ورغم أن هذا العمل بذاته، يعد من الأعمال الخيرية العظيمة التي يفخر بفاعليها المجتمع الفرنسي بأسره، إلا أنه رغم ذلك ليس أكثر من عمل بأجر ككل الوظائف الأخري، حيث كان لعائلة ستيفان ونتالي بيسون أن تتلقي مبلغاً شهرياً يقارب الألف دولار لمجرد رعاية الطفلة إيناس، وهنا ربما يقوم السؤال ولماذا في هذه الحالة لا نعطي للأم هذا المبلغ، وتقوم هي نفسها برعاية طفلتها؟!
السؤال، والإجابة كلاهما يمثلان واحدة من أصعب ثغرات أو ربما محاسن القانون الفرنسي بشأن رعاية الأطفال، حيث يخشي القانون أن تتحول الأمهات أو الآباء إلي مجرد متسولين أمام أبواب الإدارات الحكومية لمجرد أن عندهم أطفالاً، ولذلك فإن الطفل الذي يربيه أهله يجب أن يكونوا قادرين علي تربيته، وإلا فإن الحكومة تأخذه منهم وتعطيه لمن تشاء ليقوم بتربيته، وهو ما حدث للطفلة إيناس.
علي أن ما كان ينتظر هذه الطفلة المسكينة ليس هو بيت الحنان والرحمة، والرعاية، بل إنها كانت علي موعد بائس مع الجحيم ذاته، فإن رب العائلة المجرم ستيفان بيسون (34 عاماً) كان عاطلاً عن العمل ننتيجة لإصابته في حادث طريق، وكانت يده، وساقه اليمني في الجبس، وهو نصف عاجز، وبينما كان دخل زوجته الذي بقي وحده ما يدخل علي البيت لم يعد يكفي مصاريف الحياة، فإنهما قررا التوجه إلي إدارة الشؤون الاجتماعية وعرض خدماتهما علي دار الرعاية لاستقبال أحد الأطفال اليتامي بناء علي الأجر المذكور.
وفي الوقت الذي لم تسمح فيه الأخصائية الاجتماعية لنادية بأكثر من خمس دقائق لتوديع ابنتها التي غادرت دار الحضانة نحو بيت هذه العائلة، رفضت لها كلياً أي عنوان أو رقم هاتف يمكن لها من خلاله السؤال عن طفلتها.
يتبع