.. الفنان"عباس ابراهيم" ..أسطورة من بقايا الزمن الجميل..
في بدايات عام 2004فوجئت جماهير الفن بشاب سعودي لايتجاوز عمره الستة عشر ربيعا يشدو بصوت أثيري,
ملائكي رخيم مفعم بالشجن والاحساس " ناديت والليل جاوبني وبكاني" إحدى روائع المتألق دوما خالد الفيصل..
ومن خلالها اختار لنفسه التفرد والاختلاف فكان له ماأراد لتسكن باكورة انتاجه الفني "ناديت" وجدان تلك الجماهير وتستوطن أسماعهم المتعطشة لذلك النوع من الأغاني الحالمة التي تحاكي وتستحضر عن قرب عذابات الغربة القاسية..
وفي يوم وليلة أصبح لعباس ابراهيم اسما لامعا و قامة فنية شاهقة تطاول عنان السماء .. و بخطوات راكضة يحدوها الأمل المحتقن بعنفوان شاب يافع يضع أولى بصماته في عوالم الفن نجح هذا الصغير في الخروج من قمقم التقليدية والنمطية في شكله الفني الذي يعتمد على الصوت والدقة المتناهية في الاختيارات في المقام الاول من دون إهمال الاعتبارات الثانوية الأخرى فاستطاع أن يمتطي صهوة التجديد في الفن ليقلب الموازين بتحقيقه في فترة زمنية وجيزة للغاية قاعدة جماهيرية ضخمة ومتعصبة أجبرت بعض الفنانين الجدد على اعادة ترتيب أوراقهم فيما يقدمونه من أعمال .. ولا سيما بعد أن فاقت مبيعات ألبومه"ناديت"جميع التوقعات بتحطيمها الأرقام القياسية في السوق..
عباس ابراهيم حسن عبدالله الحسني الذي ولد عام 1987م بمدينة جدة وينتمي الى اسرة هو أصغر أفرادها.. بدأ منذ
سنوات طفولته الأولى يردد بصوت طفولي بريء مايعلق بذاكرته من الأغاني القديمة التي يحبها, ويداعب
بأصابعه الصغيرة أوتار العود وهو لايدري في الواقع ان كان هو من يعزف على الأوتار أم أن الأحلام تعزف على أوتاره؟؟
لكنه في كلتا الحالتين لم يكن لديه أدنى تنبؤ بما ينتظره بعد سنوات قليلة من صخب النجومية وأضواء الشهرة..
فالأيادي البيضاء للأمير محمد العبدالله الفيصل كانت حاضرة بقوة كعادتها لتضم اسم عباس ابراهيم ضمن كوكبة نجوم ميجاستار.
.ففي عام 2003م بدأت انطلاقته الفعلية مع الالبومات الغنائية حيث أنتجت له هذه الشركة ألبوم هو
" اسمعوني" وكأن هذا العنوان يحمل بين طياته رسالة دعوة عامة لسماع ذلك الصوت المغمور..
يصف عباس ذلك الالبوم الذي أشرف عليه كلا من سمو الأمير محمد العبدالله الفيصل والموسيقار سامي إحسان بأنه بمثابة"جس نبض" و بطاقة تعارف بين صوته والجمهور حيث تضمن ستة أغاني تراثية منتقاة بعناية فائقة من الفلكلورين"الحجازي والينبعاوي"..
بعدها راح ينثر عطوره و يغرد هنا وهناك ويحلق بأجنحة صنعها من حلم وطموح واصرار شاب في سماوات الابداع وانطلق في رحاب الفن ليبلغ ذرى المجد.
.ولعل أبرز مايميز خصائص هذا الصوت الفتي انه اختصر في حنجرته أجيال عمالقة الطرب فكان انعكاسا حقيقيا لأدق التفاصيل الصغيرة التي تشكل ضجيج الحياة في شوارع وأزقة وحواري ومقاهي مدينته جدة التي تستلقي على شاطيء البحر الأحمر ..
وكانت نبرات صوته الغارق في الشجن مرآة عاكسة بحجم الألم في القلوب المنكسرة التي أضناها الحب حتى الثمالة.. وأطلق عليه محبيه العديد من الألقاب مثل
(( صوت العشاق, فاكهة الطرب, شمس الأغنية السعودية, سيد الكل))..
ولعل ولعه بالموسيقى الذي يجري في عروقه مجرى الدم هو ما دفعه ليدرك سمو مهنته ويعي في وقت مبكر نسبيا مايترتب عليه كفنان يُنتظر منه الكثير بأن يتعاطى مع صوته وفنه كثقافة وفلسفة ورسالة انسانية ترمي الى الإرتقاء بالحس الذوقي لدى المتلقي ولا سيما في عصر طغى عليه الانحلال الفني والاستهتار بذائقة المستمع واستفزاز غرائزه ..
وحمل عباس على عاتقه مهمة إيصال تلك الرسالة على أتم وجه.. ولا يزال حتى بعد أن شارف على أعتاب عامه العشرين هاجسه الأكبر هو الإسهام في تطوير الفن وإعادة الأغنية السعودية الى مكانها الطبيعي في الصدارة..
ليس ذلك فحسب بل أن عباس ابراهيم بهذه الامكانات الصوتية الخارقة والذوق الرفيع في الاختيارات الموسيقية الأنيقة والنمط الغنائي الملتزم الذي يحترم ويراعي كثيرا عقلية المستمع لم يعد يشكل خطرا حقيقيا على الفنانين الجدد فحسب و إنما بات يمثل الأمل الكبير والحبة الأخيرة في عنقود الفن السعودي الذي بدأ يتراجع ويفقد بريقه بسبب كثرة الدخلاء عليه من أدعياء الفن وأصحاب الأصوات الهشة..
ومع أن الكثيرين يرون أن نجاح عباس ابراهيم ماهو الا ضربة حظ موفقة أو مجرد هالة إعلامية أفرزها دعم جهات رفيعة المستوى إلا أن عباس بنفسه أثبت ماتحمله تلك الرؤى والاعتقادات الخاطئة من مغالطات حقيقية بحق فنان أفنى زهرة شبابه في خدمة الفن.
.و اجتهد كثيرا ليصل الى ماهو عليه من محبة واحترام الجماهير..فهو أحد الفنانين الذين يتمتعون بنشاط فني مستمر ومتواصل حيث في غضون عامين فقط هي عمره الفني قام بتصوير ستة أغان هي كالتالي:" خان, المسافة , ناديت , لفتة , أمنتك الله , ماقصرت" غير أنه لم يُعرض منها سوى الأربعة أعمال الأخيرة , كما كان له العديد من المشاركات المميزة في عدة محافل ومهرجانات داخلية وخارجية,
بالإضافة الى إصداره عملا استثنائيا يعد علامة فارقة في مسيرته تمثل في تسجيل البوم وطني كامل بعنوان"عشق الوطن" وهو الذي شكَل منعطفا هاما في حياته نحو الأعمال الوطنية حيث تشرف بسبق اصدار اول اغنية بمناسبة مبايعة عبدالله ملكا للبلاد وهي بعنوان "راية العز" التي أبدعها الامير بندر بن فهد , وآخر أعماله الوطنية تمثلت في مشاركته المتميزة في اوبريت وفاء وبيعة ضمن فعاليات مهرجان الجنادرية لهذا العام.. والتي كان يحلم بها منذ بداية ظهوره..
آخر اصدارات عباس ابراهيم البوم"لفتة" الذي احتوى على خمسة عشر عملا متنوعا تدرجت اغانيه بين الايقاع الرومانسي الحزين والشبابي السريع, وقد كان هذا الالبوم بمثابة قفزة نوعية في مسيرة الأغنية لتضمنه تناولا جريئا وغير مطروق لألوان موسيقية جديدة لم يعهدها المستمع كان أغربها على الاطلاق ايقاع البوب الغربي الذي يدخل لاول مرة في اغنية سعودية هي "إيه احبك" التي صاغتها لحنا انامل الامير بندر بن فهد الذي وجد في دفء صوت عباس وصدق احساسه المخملي حقلا خصبا و متنفسا لائقا يفرغ من خلاله عصارة ابداعاته..ولايزال البوم لفتة رغم مرور اكثر من عام على طرحه يلاقي رواجا واسعا في الاسواق المحلية و الخليجية ..
ومع ان عباس يعد واحدا من اكثر الفنانين الذين لسعتهم سياط الشائعات بغير رحمة شأنه شأن النجوم الا انه يتصرف حيالها بتعقل حيث يكتفي بنفيها ويبدو انه ممن يؤمنون بالمبدأ القائل"من يطعنك من الخلف يدفعك للأمام"
وبصرف النظر عن عباس ابراهيم الفنان نسلط الضوء على الجانب الآخر والاكثر خصوصية من حياته فهو شاب هادئ خجول طموح ومحب للحياة, يتسم بالتواضع ويتميز بخفة الظل..
ودائما مايؤكد لوسائل الاعلام ان والدته هي من ستتولى مهمة اختيار عروس المستقبل ليبعد عن نفسه أي اشتباه بوجود قصة حب خلف الكواليس ولاسيما في اعقاب شائعة زواجه بالمذيعة رزان مغربي ومع انه تصريح دبلوماسي وذكي وخطير جدا الا انه ترك الحيرة تعتمل في قلوب جماهيره ولا سيما المراهقات اللاتي يشكلن السواد الاعظم من جمهوره..
هذا ولا يزال لصوت عباس حكايات كثيرة أخرى لم يرويها الزمان بعد لكن لعلي أختزل تلك الحكايات بمقولة قالها ذات مرة الاعلامي القطري تيسير عبدالله في احد مقالاته (( حقاً هكذا يكون الصغار كبارا))
قد يرى البعض أني بالغت في الثناء لكني أعتقد أن ثمانية عشر عاما التي هي سنوات عمري أمدتني بخبرة جيدة في خفايا الساحة الفنية وخلفية ثقافية كانت كافية لتجعلني أحكم بكل قناعة ان عباس ابراهيم هو حالة فنية استثنائية سينقشها التاريخ بماء الذهب وحروف النور ويخلدها في ذاكرة الفن السعودي ولن يمر مرور الكرام.. الأيام القادمة وحدها ستكون كفيلة باثبات ذلك..
