العودة   منتديات همس الخليج® > المنتديات الأدبية > همس للقـصص والروايات
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم جعل جميع المنتديات مقروءة
المشاركة في الموضوع
 
 
خيارات الموضوع طريقة العرض
قديم 5-22-1440هـ, 12:04 صباحاً   رقم المشاركة : 1
DooDs
خليجــي جديـد





 

الحالة
DooDs غير متواجد حالياً

 
DooDs is on a distinguished road


 

إفتراضي الحصاد المر!

الحياة دمعة وابتسامة هكذا هي الحياة، لكنها كانت على «عبد الرحمن » دمعة دائمة دون أن تعرف الإبتسامة، أو أن تصادف من يكفكفها عن مقلتيه.

عبد الرحمن ربٌ لأسرة جاهد في سبيلها بما كان من المستطاع لديه ولإستكمال هذا، إنتقل من إحدى قرى جبل عامل في جنوب لبنان إلى المدينة التي لم يحمل إليها من متاع الدنيا سوى إصراره على مصارعة الفقر والعوز وأمل في الله عزوجلّ أن ينصره على فقره رحمةً بعائلته.

رافقت عبد الرحمن بالإضافة إلى أولاده «زينب » زوجةٌ كانت له الشريك الدائم في صراعه الطويل على دروب الحياة الصعبة بحلوها ومرها.
مرت الأيام والسنين طويلة حتى أصبح فيها الأبناء رجالاً يعتمد عليهم في تحدي القدر عندها آمن عبد الرحمن أنه أصبح اليوم في مأمن من غدرات الزمان ، ونبتت له أذرع طويلة وصلبة يصارع بها ويحطم بقبضاتها قيود الفقر والذل والعوز لكن ليس كل ما يشتهيه المرء يدركه، وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

هذا ما جرى لـ عبد الرحمن حين تقدم به العمر وأصبح بحاجة للراحة ولنظرة وفاءٍ وتقدير وعرفان بالجميل من أبنائه يقدمون من خلالها بعض ما قدمه لهم هذا الكهل العنيد بوجه الزمن.
لكنه لم يعرف للراحة طعماً، لم يشعر بتلك اللمسات الحنونة التي طالما إنتظرها من أبنائه وخاصة من باكورتهم «نبيل» الذي كان القدر معه أفضل حالاً من والده رغم أنه مارس أبشع أنواع العقوق بحق والديه، لكن الدنيا قدمت له الكثير من ملذاتها مكافأة له على ما قدمه لوالديه وأصبح من كبار موظفي إحدى المؤسسات الهامة في العاصمة.
أولى خطوات نبيل في مشواره مع والده، أن عرض عليه عملاً في المؤسسة التي يديرها بصفة حاجب، كي يتهرب من مسؤوليته المادية اتجاه هاذين الشيخين ولم يكن من عبد الرحمن الذي تفاخر طوال حياته بعزة نفسه التي لا يملك غيرها في هذه الدنيا الفانية، لم يكن أمامه إلا قبول عرض ولده شاكراً ربه على نعمته عليه في السراء والضراء.
مرت الأيام ثقيلة وطأتها على كاهل كهلٍ صارع وما زال القدر يصارعه. لكن الألم بطعمه المر زادت مرارته كل يوم وهو يصارع العمر أمام ناظري ابنه نبيل.

كان عبد الرحمن يستيقظ يومياً باكراً مع بزوغ الفجر ليبدأ فصلاً جديداً من فصول العمر المرير الذي ذهب منه الكثير ولم يبقى إلا القليل مع كل صباح كان مع زوجته يطلقون الآهات دون أن يسمع الواحد منهم آهات الآخر. كانت آهاتهم تأتي بنظراتٍ من خلف دموعٍ تحتبس داخل أعينهم.
عبد الرحمن : صباح الخير يا زينب.
زينب : صباح النور إشرب قهوتك يا أبا نبيل، ما زال الوقت باكراً.
عبد الرحمن : الطريق طويلة، والطقس جميل سأذهب سيراً.
زينب : إرحم نفسك، لعن الله ابو الفلوس، إذهب في السيارة، أم إنتظر سائق ابنك نبيل، وتذهب معه.
عبد الرحمن : نبيل يتأخر وليس مضطراً لأن يصل باكراً مثلي أنت أعلم بالحال يا أم نبيل، أراك بخير.
هذه هي صورة من صور العذاب اليومي والحديث الصباحي بين أبو نبيل وأم نبيل أما نبيل كان ينتظر سائقه من على شرفته المشرفة على منزل والده يرشف قهوته الصباحية ويرى والده يخرج، ليقطع مسافة ساعة من الزمن سيراً على قدميه، شتاءً ببرده القارص، وصيفاً بحره المؤلم.
ينزل بعد ها نبيل ويمر على والدته كالإبن البار الذي يأخذ رضى والديه، قبل ذهابه إلى عمله، عملاً بالقول المشهور: «رضى الله من رضا الوالدين» ..!!
نبيل : صباح الخير يا أم نبيل.
زينب : صباح النور يا حبيبي يا نبيل ليش ما بتاخذ بيك معك بدل ما يروح مشي وهو رجل كبير.
نبيل : يا أمي هو لازم يوصل بكير قبل الموظفين لمكاتبهم.
سكتت زينب، وبلعت مصيبتها داخل صدرها الذي يحوي قلبها الكبير الذي لا يعرف إلا الدعاء لـ نبيل حتى ولو طعنه بيده ، فؤادها الذي يتلقى طعنات حبيبه ولسان حاله يدعو لطاعنه بالتوفيق!

يصل ابو نبيل إلى عمله لينظف مكاتب الموظفين ويمسح البلاط، وأول هذه المكاتب، مكتب ابنه نبيل كم هو شاق أن يمسح الوالد بلاط مكتب ولده بدل أن يستقبل فيه معززاً رافعاً رأسه بمنصب ولده.
نبيل : السلام عليكم يا أمي، وصل السائق عليَّ أن أذهب.
زينب : الله يكون معك يا عمري.
قالتها زينب بعينٍ باكية كئيبة على حال زوجها، وبقلبٍ لا يستطيع إلا أن يطلق الرضا والدعاء لنور عينها نبيل.
حال أم نبيل، كحال أبو نبيل، الذي يصل المؤسسة قبل أن يصلها أحداً قبله، ولا يسمع فيها سوى صدى أنفاسه التي تشارك دموع عينيه في مسح بلاطها، وتنظيف مكاتبها وتحضير القهوة والشاي للموظفين الذي يذهب أحياناً لإحضار الإفطار لهم من المخبز القريب كل ذلك كان لأبو نبيل شرفٌ في إستكمال مشوار العمر، وطريق الجهاد الأكبر في سبيل عائلته وقوت يومه.
أليس هذا الجهاد: «بابٌ من أبواب الجهاد في سبيل الله» ..!!

هكذا أصبحت الدنيا سوداء بعيني أبو نبيل بعد أن عاشها بلونها الرمادي، ولم يرها يوماً بلونها الأبيض، حيث كان يعزي نفسه دائماً أن بياض الحياة لن يكون إلا مع رجولة نبيل وإخوته.
لكن القدر بدل أن يحول الرمادي إلى أبيض، حوله إلى أسود داكن، عندما مسح بلاط مكتب ولده أو عندما قدَّم الشاي لزوار مكتب حبيبه الذين يعلمون أنه والد نبيل، صاحب المكتب، بدل أن يجلس معهم مستقبلاً لهم في مكتب ابنه، ويُقدم له الشاي مثلهم، كانت الدنيا تدور بأبو نبيل حين كان يحمل الشراب الساخن والفطور لإبنه كخادم، وليس كوالد، كان يقدم الساخن له ليدفئه، بينما يسير تحت المطر مسافة ساعة من الزمن كل يوم، مع ساعات الفجر الأولى الباردة كبرودة قلب ابنه نبيل.

هكذا حصد عبد الرحمن غلاَّل مشوار العمر حين تلقى أبشع أنواع العقوق من أبنائه الذين نسوا معاناة والدهم الفلاح، العامل في ميناء بيروت، بائع الخضار في شوارع العاصمة.
عقوق نبيل وأشقائه الذين نسوا معاناة والدتهم المزارعة في حقول القمح، وكروم الزيتون، وعاملة الصاج في القرية.
نسي نبيل كل ذلك وجلس وراء مكتبه، وتناول فنجان الشاي الساخن من يد والده الساعي في مكتبه دون حياء من أن هذا الساعي الذي يقدم الشاي له ولضيوفه ليس سوى والده عبد الرحمن، ولا يهم نبيل أن جميع الموظفين الذي يرأسهم يعلمون أن ساعي مكتبه هو في نفس الوقت والده.

أخيراً :
وبعد تلك الرحلة الطويلة مع الحياة الشاقة، والحصاد المر، رحل عبد الرحمن وزينب، في رحلتهم الأبدية إلى جوار الرحمن.
أما نبيل فذهب لزيارة بيت الله الحرام، لقضاء فريضة الحج , والله سبحانه وتعالى أعلم بمافي النفوس ..!!

«واقعية»







الرد مع إقتباس
قديم 6-23-1440هـ, 03:46 صباحاً   رقم المشاركة : 2
BaRoG
!..( إِتِِحَِِـِِِـِـِـِـِآِِِآدِيُْ )..!
 
الصورة الرمزية لـ BaRoG






 

الحالة
BaRoG متواجد حالياً

 
BaRoG is a jewel in the roughBaRoG is a jewel in the roughBaRoG is a jewel in the rough


 

إفتراضي

يسلمك ربي ع القصة
روعة ومؤثرة بصرآحة ..!







التوقيع :
طآل آنتظآري وللآسـف تلقيت صدمـهـ ..!

.................................... صدمـهـ..!

.................................... صدمـهـ ..!

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
لا بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت السعودية. الساعة الآن » 09:34 مساء.


Powered by: vBulletin Version 3.6.3
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
تصميم الاولى