عندما يصل يأسه من كل شيء إلى حده الأعلى فإنه يصمت حتى وإن كان صامتا أصلا ! ، وإن نادته هي : ( اسمعني بقلبك ثم تحدث بأي شيء تريد ) فجل ّ ما يفعله حينها أن يغطي عينيه بيده ثم يأخذ نفسا ً طويلا ً مؤلما ً ، لا يعرف كيف يجعله مؤلما ً ولكنه يكون كذلك متى أراد له أن يكون ! . هذه الليلة سخر منه كل شيء بدءا ً من حارس المبنى ورئيسه في العمل وكوبه الذي أصر على أن يكسر بصوت خدش كل الصمت الذي صار عقيدته العليا لهذا المساء . أووه ليس الآن يا أنت ِ ليس الآن قالها وهو ينظر إلى الوجه المبتسم الذي برز له في نافذة المحادثة ، عندما يرى هذا الوجه يدرك أن ما عليه سوى أن يذهب بعيدا ً ويصمت حتى لو كان أصلا صامتا ً !! ، يشعر أنه يكرر هذه العبارة بشكل سخيف ، يكررها كما لو أنه لم يصمت سوى الليلة في حين أنه دائما ً يمتهن الأشياء التي وجد نفسه يمتهنها منذ ولادته .
الغرفة الآن غارقة في السواد تماما ً ويبدو ضوء شاشة الهاتف كشيء جريء يحاول زعزعة العتمة المتسيدة ، في تمام الساعة الواحدة كان عدد الرسائل الواردة = ا و كان كل شيء يقول : ( اسمعني بقلبك ثم تحدث بأي شيء تريد ! )
كان هذا يعني أن يتشبث أكثر بهذا السواد الأعظم ويرجو النوم أن يأتي عجولا ً ، حتى يستطيع أن يتحدث هناك من عمقه كما يريد وكما تريد ، عندما شعر لوهلة بأن حتى الوردة الزرقاء على وجه وسادته ـ تحت خده الأيمن تماما ًـ تنزاح من مكانها ، أجفل !! رفع رأسه ليجد تلك الابتسامة ذاتها تحك خده بخشونة ! الآن يريد أن يتحدث ، يريد ذلك بشدة ولكنه لا يصبح مخنوقا ً هكذا إلا لو كان يحلم ! هل هو يحلم الآن أم أنه يموت ويرى نفسه وهو يفعل ذلك ! ، هل يرى الميتون أنفسهم وهم يموتون ؟ هو يريد أن يتحدث ولكنه يشعر بألم يفوق احتمال كل عقائد الصمت التي اعتنقها ، بربك " يهتف " أريد أن أتحدث بأي شيء ، بأي شيء ، ! أظن قلبي سمع أخيرا ً ! .
، ، /
لا دماء ، ولا أصوات متحشرجة ، كل شيء كان يفعل نفسه بهدوء تماما ً كما لو كنت ُ متمددا ً على أريكة لأتابع ذلك الفيلم للمرة العاشرة فقط لألهب جسد monica bellucci بعيني ّ غير أنه لم يكن في جسدي شيئا ً ذا بال كي ألهبه بعيني ّ كما أنني الآن أراقب من الأعلى ، من الفضاء الأعلى حيث ثمة جناحين وما من أريكة ولا أكواب قهوة ولا مونيكا ! عندما سقطت ُ سقطتي الكاملة بمعنى أن وجهي ارتطم بالأرضية الباردة لغرفتي كان من المفترض لجسدي أن يتوقف تماما ً عن الحركة ، ولكن ذلك لم يحدث ، كنت أنتظر أن أبكي وعندما كنت أنتظر أن أفعل ذلك لم أرد أن أبكي على مفارقتي / نفسي ، بل لأنني الآن أرى كل شيء على وشك أن ينتهي وسأبقى أنا أحلق هكذا بجناحين وحدي /بدوني ! هيـّا ، أنا لم أجن متأكد أنا من ذلك وهل المجانين يشعرون بالدهشة ؟
أقسم أن جسدي انتفض قليلا ً ! رأيتني .... أقصد رأيته !! ، وأنا أدور نصف دائرة إلى الجهة الشمالية من رأسه الملقى على أرضية الغرفة ، كنت أحلق فوق السقف أي فوق المبنى بكامله ولكن كل شيء كان مكشوفا ً لمدى رؤيتي . حسنا ً أظن أنني تعرضت لمؤامرة ما و طردت ُ من جسدي لأن هذا المأفون الذي هو أنا لم يمت! بكل صفاقة أراه يتناول نظارة والدي التي نسيها في غرفة الجلوس ويرتديها ثم يحك جبهته ببطء شديد ويخرج من باب المنزل ، كان يسير بترو ٍ شديد ولكنني عرفت تماما ً إلى أين يريد الذهاب ، فـ كينونتي الروحية التي صرتها الآن و الـ بلا حواس كليا ً أظنها منحتني رشقة تجل ٍ عظيمة حيث أنني أسمعه بوضوح ٍ الآن وهو يتحدث مع نفسه ـ الأخرى ـ ويقرر بأن ثمة رسائل عليه أن يبعثها الآن بواسطة جهاز كمبيوتر آخر في مقهى انترنت مجاور !! ، بطلاقة لم أتعودها كانت أصابعه تحفر الكلمات وكنت أشعر بوقع تلك الحروف يضرب في منبت جناحي بالضبط وكان ألمي يأتي على هيئة تحليق مضطرب ! (يا صديقة ، أنا عندما أرغب بالحديث فإنني أفعل ذلك بعقلي فقط ، ولذلك كنت دوما ً لا أسمعك بقلبي ، حينما أسمعك بقلبي فسأكون بغيضا ً صدقيني ستكرهين ذلك وستطلبين مني أن لا أسمعك وأن لا أتحدث إلى الأبد وستحبين ذلك الوجه المبتسم أكثر عندما تشطبين وجهي بضحكة اكتشاف ) شاهدته ، شاهدته عندما قطب جبينه بعد تلك الإلتفاتة السريعة نحو اليسار حيث يربض ذلك الحاسوب الآخر ، وكدت أن أقسم أنا بدلا ً عنه على أنه ثمة وجه مبتسم كان يطل من خلفه ثم يختفي .
قام سريعا ً ، وخرج فزعا ً مهرولا ً إلى الشارع النصف مظلم مرة أخرى بدون أن يرسل شيئا ً مما كتب ، كانت مشيته السريعة تجعلني أعرف وأنا الذي أعرف الآن كل شيء ، أنه سيسقط الآن الآن ، وقبل أن أنتهي من النون الأخيرة كان يحط إلى الأسفل على ركبته اليمنى ثم يضع يديه بقوة على أذنيه وكأنه يمنع تسرب شيء هائل ٍ منهما ، ولكنه تسرب في النهاية ، ليسقط ممدا ً على الرصيف ولمدة خمس ثوان ٍ بدا بلا حراك وأيضا بلا دماء و قبل أن أعرف أنه علي أن انطلق فورا ً وقبل أن أصل إلى أذنه ـ افترضت أنه علي أن أدخل منها أيضا ً طالما أن ذلك الآخر تسرب بواسطتهاـ قبل أن أفعل وقبل أن ألج ارتجفت شفتاه ارتجفتا قليلا ً قبل أن تكتسبا لونا ً غامقا ً لم أعهد أنني رأيتني ... أووه أقصد رأيته يمتلكه طيلة حياته ! وعدت أحلق بعيدا ً ولما استقريت إلى نفس العلو الذي كنته كان هو يمشي مجددا ً ولكنه يترنح بشكل مخزي كما لو كان ثملا ً أفرط في الشراب .
لم يكن يعنيني أن أجزع وقد أدركت أخيرا ً أنني لست سوى روح هائمة بجناحين لم يكن أبدا ً في هذه اللحظة يجزعني سوى أنه قد دخل إلى ملهى ليلي قذر وأنني الآن ولجت قسرا ً إلى مالا أعيه من العقول المغيبة أو المسطولة أو التي ترغب أن تكون الاثنين معا ً ، وبين كل هذا التشويش والدفق المفاجىء الذي تسرب إلي ّ من هؤلاء المتكدسين كان علي ّ أن أتجلى بشدة ، بشدة كي أكون معه هو وهو فقط ، كي أنتشل ما يجول في ذهنه هو وحده وأميزه من كل هذا الصخب العنيف ، وأظن أنني فقدت جناحا ً ، فقدته تماما وأنا أخوض معركة التماهي مع ذهن هذا الثمل المعتوه ، وعندما نجحت كان هو يخاصر فتاة مبهرجة صارخة الألوان ويضمها بشدة وهو يغني : " كل مرة بشوفك فيها بابئى نفسي أ... أ... " وكانت هي تكمل الأغنية ب صوت مبحوح : " كلو إلا دااا إياك تسيبني لا لا لا " وكان المتحلقون حولهما يرددون " هوّوووه ده " ترنحت أنا متألما ً وأنا أحدثني : لا ، ليس هذا يا معتوه ، لا ليس هذا !
هل سمعني ؟ ، لا أعرف ، الآن لا أعرف كل شيء كما كنت ، وأظن أن فقداني جناحا ً كان سببا ً في ذلك ، فقط سمعته وهو يقول : آه ، مقرف ! كيف يشعر شخص ثمل بالقرف !! ، لا أعرف ولكنه انتحى ركنا ً قصيا ً لينتحب بصوت عال ٍ وكنت أنا أتحسس مكانا ً خاويا ً حيث كان جناحي وكنت أنتحب معه !
سقط رأسه على الطاولة ، انتظرت دقائق قبل أن أقرر الهبوط إليه ، كان علي أن أتأكد أن مكاني خاليا الآن وأنه لم يكن ثملا فقط عندما ارتجفت شفتاه لتعودا إلى لونهما الذي أعرفه وعندما سكن كل شيء في جسده لدقائق طويلة ، عرفت أن مكاني ينتظرني هبطت بانحراف شديد كأي ّ روح لا تملك سوى فردة جناح واحدة !
كان علي أن أؤلمه ، كهذا كنت أحدث نفسي : يجب أن يتألم ، لم أعرف لم كنت أرغب في إيلامه ولكني شعرت أنه كان ينتحب لأنه يفكر بأشياء مميتة كان يتمنى أن يزجني فيها طيلة سكناي لجسده " ثلاثين عاما ً" ولكنه كان يفشل في كل مرة ، لم أجد طريقة لإيلامه سوى أن أهمس في أذنه قبل أن أدخله : ( اسمعني بقلبك ثم تحدث بأي شيء تريد ! )
//
كان فاتحا ً عينيه يحدق في السواد الذي لازال متسيدا ً أجواء غرفته ، الساعة لازالت الواحدة ودقائق قليلة، كان النور الذي خفت فجأة بجانب رأسه يذكره بأنه كان يقرأ رسالة ما في هاتفه قبل قليل ، أمسك بالجهاز مرة أخرى ليقرأ الرسالة التي وصلته آنفا ً : ( اسمعني بقلبك ثم تحدث بأي شيء تريد ) صمت برهة وأصغى لهاجس شيطاني جعله يذهب إلى قائمة الرسائل المرسلة ليقرأ : ( كان دوما أصما ً، ستحبين ذلك الوجه المبتسم أكثر منه )
أجفل ،
أجفل تماما ً وهو يرى أن تاريخ إرسال الرسالة كان في الثالثة صباحا ً أي بعد ساعتين من الآن .